عبد الوهاب الشعراني
19
تنبيه المغترين
تعالى ما حدثتكم : [ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى ] « 1 » . قال : ولما ترك سفيان الثوري رضي اللّه عنه التحديث قالوا له في ذلك ، فقال واللّه لو أعلم أن أحدا منهم يطلب العلم للّه تعالى لذهبت إلى منزله ولم أتعبه ، وقد قيل مرة لسفيان بن عيينة رحمه اللّه تعالى ألا تجلس فتحدثنا ، فقال واللّه ما أراكم أهلا لأن أحدثكم ولا أرى نفسي أهلا أن تسمعوا مني وما مثلي ومثلكم إلا كما قال القائل : افتضحوا فاصطلحوا ، وقد كان حاتم الأصم رحمه اللّه تعالى يقول : لا يجلس لتعليم العلم في المساجد إلا جامع للدنيا أو جاهل بما عليه في ذلك من الواجبات . وكان عبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنهما مع جلالته من العلم إذا فرغ من تفسيره للقرآن يقول اختموا مجلسنا بالاستغفار ، وكان شداد بن حكيم رحمه اللّه تعالى يقول من كان فيه هذه الثلاث خصال فليجلس ليعلم الناس وإلا فليدع الجلوس ، أن يذكرهم بنعم اللّه تعالى ليشكروه ، وبذنوبهم ليتوبوا منها ، وبعدوهم إبليس ليحذروا منه ، وكان ابن وهب رحمه اللّه تعالى يقول : سألت الإمام مالكا رضي اللّه عنه عن الراسخين في العلم من هم ؟ فقال : هم العاملون بالعلم وليس شيء أعز من العلم لأن صاحبه يحكم به على الملوك ، وقد قيل لابن المبارك رحمه اللّه من الناس عندك ؟ فقال : العلماء العاملون المخلصون ، قيل له : فمن الملوك ؟ ، قال : الزهاد في الدنيا ، قيل له : فمن السفلة ؟ قال الذين يأكلون الدنيا بعلمهم وعملهم ودينهم ، وكان الحسن البصري رحمه اللّه تعالى يقول العلماء سرج الأزمنة فكل عالم مصباح زمانه يستضيء به أهل عصره ، ولولا العلماء لصار الناس كالبهائم . وكان سفيان الثوري رحمه اللّه تعالى يقول : حياة العلم بالسؤال عنه والعمل به وموته بتركهما ، وكان عكرمة رحمه اللّه تعالى يقول : لا تعلموا العلم إلا لمن يعطي ثمنه ، فقيل له وما ثمنه ؟ قال : أن يضعه العالم عند من يعمل به ، وكان سالم بن أبي الجعد رحمه اللّه تعالى يقول : اشتراني مولاي بثلاثمائة درهم فاشتغلت بالعلم فما مضى على سنة حتى جاءني الخليفة زائرا فلم أفتح له ، وكان الشعبي رحمه اللّه تعالى يقول : من أدب العلماء إذا علموا أن يعملوا ، فإذا عملوا اشتغلوا بذلك عن الناس فإذا شغلوا فقدوا وإذا فقدوا طلبوا وإذا طلبوا هربوا خوفا على دينهم من الفتن ، وفي الحديث [ أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه اللّه بعلمه ] ، وفي الحديث أيضا [ سيأتي على الناس زمان يكون عبادهم جهالا وعلماؤهم فساقا ] . وكان عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه يقول : من أفتى الناس في المشكلات من غير تربص ولا
--> ( 1 ) سورة البقرة : الآية 159 .